الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

أم "محمود عزت": بيجلي في المنام ويقولي ما جيتيش تاخديني ليه


تتعجب أمه من تصرفاته، لم تكن تعلم أن سكرات الموت بدت عليه.. بمجرد أن أيقظته من نومه، واضعا يده على خده الناعم بشكل دائم، يطلب منها عدم الذهاب للمعهد، لكنها رفضت، يريد أن يرتدي "جاكيت" ثقيلا، لشعوره بالبرد الشديد، بالرغم من دفء الجو.. يرفض تناول أطعمته "سندوتشاته"، وشراء "الشيبسي"، كعادته.. يرفض حتى الذهاب لدورة المياه، لكن آخر شيء قام به هو تلاوة سورة العلق: "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، يتأكد من حفظها جيدا، قبل أن يتلوها على مدرس التربية الدينية بالفصل، تطلب منه هي أن يركز في امتحانه.
العقارب تدق وباقي من الزمن دقائق ليحول القدر كابوسها لحقيقة، ذلك الكابوس الذي لا يفارقها منذ أن ولدته، بأنه سيموت غرقا، سيتحقق بالفعل، وكان آخره قبل ليلة الحادثة، تستيقظ على صراخها، وتستعيذ من الشيطان، وتطلب من ربها أن يحميه وتراه ذو شأن.. لكن من منا يستطيع أن يوقف القدر؟ ينفذ بالفعل القدر خطته، لكن بأبشع صورة عن طريق دهس القطار لبراءة ابنها.. محمود عزت مصطفى، طفل لم يتعدَ عمره ثمان سنوات، زهرة ضمن خمسون زهرة قطفت على غير آوانها في حادث قطار أسيوط.
كعادته بمجرد أن ينتبه "محمود" لوصول الأتوبيس، وأخته "أمل" التي لم يتعد عمرها أربع سنوات، أمام منزلهما، يمسك محمود بيدي أخته الصغيرة "يالا يا أمل علشان نلحق نقعد في الكرسي اللي ورا ونشاور لماما"، يجري حتي يستطيع أن يفوز بكرسيه الأخير الذي يفضله، ويشيران لأمهما من النافذة، لكنها تلك المرة، كان الوداع الأخير.
وفاء سعد.. أم الطفلين المتشحة بالسواد وتملأ الحسرة والحزن وجهها، دموعها لا تجف على خديها، تنظر لابنتها أمل وهي شاردة، وتتابع "بمجرد مرور نصف ساعة على خروج الأتوبيس، الجرس دق، ليسأل رجل عن زوجي"، فأخبرته أم الطفلين أنه نائم، ووجدت أمل، في يده، ملطخة بالدماء والطين على ملابسها، سألتها، "فين أخوكي"، لترد ابنتها، في حالة صراخ وبكاء هستيري،"محمود مات يا ماما".
أسرعت أم الطفلين وزوجها
يبحثان بين أشلاء الجثث على طفلهما، على أمل أنه لايزال على قيد الحياة، لتصطدم بمشهد لن تنساه، صراخ وعويل أمهات، "جريت زي المجنونة أدور على ابني، ولما ملقتهوش، رحت مشرحة منفلوط أدور عليه"، لم يحتمل الأب الصدمة، وقع مغشيا عليه، ونقل للعناية المركزة.
وتضيف الأم المكلومة، "سألني موظف المشرحة، كنتي ملبساه إيه من هدومه الداخلية، مقدرتش أفتكر أول ما سألني من الصدمة، بعد كده عرفته من الشورت بتاعه"، وتضيف صارخة، "كانت إيديه مقطوعة، وراسه متكسره".
بالرغم من صغر سن محمود، إلا أن كل من تعامل معه يؤكد على رجولته منذ صغره، كانت تعتمد عليه أمه في مساعدتها في طلبات المنزل.. "كان بينزل يجيب طلبات البيت كلها، كان حنين عليّ وبيساعدني".
تتذكر الأم ما كان يتمناه ابنها قبل الحادث، قائلة، "يا ماما في عيد ميلادي ابقي فسحيني"، تصمت ثوان وتنظر لأخته أمل، "من بشاعة الحادثة لغاية دلوقتي مش راضية "أمل" ترجع المعهد تاني".
"أمل" تقف خلف أمها واضعة يديها على كتفي أمها، وكأنها تختبئ من شيء يخيفها، تضيف أمها، "لقوها تحت الجثث، من رحمة ربنا علينا، مخدش مني أمل كمان"، أما أمل عندما سؤالها عن أخيها، تقول، "كنت بلعب مع محمود، وبعدين جه القطار دهسنا، لقيت وشه دم، وإيديه مقطوعة"، وتضيف، "خدوا منى كراسة المعهد، وغطوا بيها صحابي".
لم يتبق للأم الآن سوى ذكريات من ابنها، أنفاسه التي تشعر بها حتى الآن، لمسات أصابعه على كل ركن من أركان المنزل، وعلى رؤيته في منامها، "دايما بيجيلي في الحلم، يقولي ماما انتي وحشاني، وزعلان منك لإنك مجتيش تخديني". 
اسماء بدوى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سائقى تاكسي اسيوط بين البلطجه واستغلال المواطنين وعدم الاعتراف بالتعريفه 7 جنيه

يعاني اهالي اسيوط من بلطجه سائق التاكسي حيث انهم لا يعترفون بالتعريفه التي قررتها المحافظه 7 جنيهات فقط لاغير ويفرضون تسعيره جديده داخل ...